يعكفون على أصنام لهم
- جماعة المسلمين وإمامهم

- 1 يناير
- 6 دقيقة قراءة
السؤال:
1-هل موسى عليه السلام يعذر المشركين بالجهل؟
2-هل أشركت بنو إسرائيل حين قالوا لنبيهم:
﴿اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة﴾؟
الآية محلّ السؤال هي قوله تعالى:
﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ ۖ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ۖ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾
والشبهة في فهم الآية كالآتي:
لماذا لم يُكفِّر موسى عليه السلام بني إسرائيل مع أن طلبهم ظاهرُه الشرك؟
ويستدلّ العاذرية بهذه الآية على العذر بالجهل في الشرك.
الإجابة:
الحمد لله وصلى الله وبارك على نبينا محمد وبعد،
قال الله تعالى:
﴿يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ﴾
ولم يقل: يعبدونها.
وقد فسّر السلف العكوف بأنه:
الملازمة والمواظبة والجلوس، لا العبادة بذاتها.
وقال معمر بن المثنى (ت 209هـ):
«يعكفون: أي يقيمون».
وقال الزجاج (ت 311هـ في بغداد):
«يعكفون: يلازمونها ويواظبون عليها، ومنه المعتكف في المسجد».
فالعكوف عند الأصنام عملٌ من أعمال المشركين، وليس هو حقيقة العبادة نفسها.
لقد كان بنو اسرائيل الذين جاوزوا البحر مع موسى ونجاهم الله من فرعون كلهم مسلمين ولكنهم كانوا مقيمين في دار الكفر مع قوم فرعون ومنهم من كانوا حديثي عهد بالجاهلية والشرك وكانوا جاهلين بالشرائع وليس في سؤالهم جحد التوحيد، ولا إنكار أن الله هو الخالق الرازق، وإلا لما قالوا أصلًا لرسول الله: اجعل لنا، بل لعبدوا الأصنام مباشرة وكذبوا الرسل كما يفعل المشركون.
وإنما سألوا – لجهلهم – اتخاذ تمثالٍ:
• يعكفون عنده،
• ويلازمونه،
• ويتقربون إلى الله من خلال ذلك،
قال تعالى:
إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ مُتَبَّرٞ مَّا هُمۡ فِيهِ وَبَٰطِلٞ مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ
فعملهم الباطل الذي أرادت بنو إسرائيل التشبه بهم فيه هو العكوف عند الأصنام، كالذي يعتكف في ضريح او قبر وهو يحسب ان ذلك يقربه الى الله فهذا بدعة وطريق الى الإشراك بالله وهو من عمل الكفار وليس من عمل المسلمين.
وليس قول بني إسرائيل هنا كما قال مشركو العرب زمن النبوة:
﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ﴾ [الزمر: 3]
فالمقصود هنا انهم كانوا يدعونهم وليس المقصود انهم يعكفون عندهم.
قال البغوي المتوفى سنة 516 هجري: ( قالوا يا موسى اجعل لنا إلها ) أي : مثالا نعبده ( كما لهم آلهة ) ولم يكن ذلك شكا من بني إسرائيل في وحدانية الله ، وإنما معناه : اجعل لنا شيئا نعظمه ونتقرب بتعظيمه إلى الله - عز وجل - وظنوا أن ذلك لا يضر الديانة وكان ذلك لشدة جهلهم . ( قال ) موسى ( إنكم قوم تجهلون ) عظمة الله .
كلام البغوي ليس حجة، ولم يكن من القرون الثلاثة ولكنه ينتسب الى السلف ويأخذ منهم التفسير والحجة في الكتاب والسنة كما بينته سابقا.
إذن لماذا لم يُكفِّرهم موسى عليه السلام؟
لأنهم:
• لم يعبدوا الأصنام.
• ولم يصرّحوا بصرف عبادةٍ لغير الله.
• وإنما وقعوا في بدعةٍ منكرة وذريعةٍ إلى الشرك.
ولهذا:
• وصفهم موسى بالجهل:
﴿إنكم قوم تجهلون﴾
• ولم يحكم بكفرهم.
• لكنه حذّرهم بقوله:
﴿إِنَّ هَٰؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
فـمتبر ما هم فيه: الشرك الذي عليه أولئك القوم.
وباطل ما كانوا يعملون: العكوف واللزوم والتبرك بالأصنام.
وقد اختلفت ردة فعل موسى عليه السلام حين سألوه العكوف، عن ردة فعله لما أشركوا وعبدوا العجل، قال تعالى:
وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي ۖ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ۖ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ ۚ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
الدليل النبوي – حديث ذات أنواط
وهذا الفهم ثبّتته السنة الصحيحة في حديث ذات أنواط، الذي رواه:
• أحمد
• الترمذي (وقال: حسن صحيح)
• ابن أبي عاصم
• المروزي
• الطبري
وغيرهم
عن أبي واقد الليثي رضي الله عنه قال:
أَنَّهُمْ خَرَجُوا عَنْ مَكَّةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى حُنَيْنٍ، قَالَ : وَكَانَ لِلْكُفَّارِ سِدْرَةٌ يَعْكُفُونَ عِنْدَهَا، وَيُعَلِّقُونَ بِهَا أَسْلِحَتَهُمْ، يُقَالُ لَهَا : ذَاتُ أَنْوَاطٍ ، قَالَ : فَمَرَرْنَا بِسِدْرَةٍ خَضْرَاءَ عَظِيمَةٍ، قَالَ : فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " قُلْتُمْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى : { اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةً قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ } ، إِنَّهَا السُّنَنُ، لَتَرْكَبُنَّ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ سُنَّةً سُنَّةً ".
والنبي ﷺ لم يُكفرهم مع جعله كلامهم مماثلا لكلام بني إسرائيل لأن هذا العمل بدعة منكرة وليس كفرا.
قال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه الإيمان:
وأما الآثار المرويات بذكر الكفر والشِّرك ووجوبهما بالمعاصي، فإن معناها عندنا ليست تُثبت على أهلها كفرًا ولا شِركًا يزيلان الإيمان عن صاحبه، إنها وجوهها: أنها من الأخلاق والسنن التي عليها الكفار والمشركون.
وقد وجدنا لهذين النوعين من الدلائل في الكتاب والسُّنة نحوًا ممَّا وجدنا في النوعين الأولين.
فمن الشاهد على الشِّرك في التَّنزيل: قول الله في آدم وحواء عند كلام إبليس إياهما: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ﴾ إلى: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ [الأعراف: ١٨٩ - ١٩٠]، وإنما هو في التأويل أن الشيطان قال لهما: سمِّيا ولدكما عبد الحارث، فهل لأحد يعرف الله ودينه أن يتوهَّم عليهما الإشراكَ بالله مع النبوة، والمكانِ من الله، فقد سمَّى فعلهما شِركًا، وليس هو الشِّرك بالله.
وأما الذي في السنة: فقول النَّبي ﷺ: "أخوف ما أخاف على أمتي الشِّرك الأصغر"، فقد فَسَّر لك بقوله: "الأصغر" أن هاهنا شركًا سوى الذي يكون به صاحبه مشركًا بالله
فقد أخبرك أن في الذنوب أنواعًا كثيرة تسمى بهذا الاسم، وهي غير الإشراك التي يتخذ لها مع الله إلها غيره، تعالى الله عن ذلك عُلوًّا كبيرًا.
فليس لهذه الأبواب عندنا وجوه إلا أنها أخلاق المشركين، وتسميتهم، وسننهم، وألفاظهم، وأحكامهم، ونحو ذلك من أمورهم.
وأمَّا الفرقان الشاهد عليه في التَّنزيل: قول الله - جلَّ وعزَّ -: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤].
وقال ابن عباس: "ليس بكفرٍ ينقل عن ملَّة".
وقال عطاء بن أبي رباح: "كُفرٌ دون كُفرٍ".
فقد تبيَّن لنا أنه كان ليس بناقلٍ عن ملَّة الإسلام أن الدين باق على حاله، وإن خالَطه ذنوب، فلا معنى له إلا أخلاق الكفار وسنَّتهم، على ما أعلمتك من الشِّرك سواء، لأن من سنن الكفار الحكمَ بغير ما أنزل الله
ألا تسمع قوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]، تأويله عند أهل التفسير: أن من حكم بغير ما أنزل الله وهو على ملَّة الإسلام كان بذلك الحكم كأهل الجاهلية؛ إنما هو أن أهل الجاهلية كذلك كانوا يحكمون.
وهكذا قوله: "ثلاثٌ من أمر الجاهلية: الطعن في الأنساب، والنياحة، والأنواء".
ومثله الحديث الذي يروى عن جرير وأبي البختري الطائي: "ثلاثٌ من سنَّة الجاهلية: النِّياحة، وصَنعة الطعام، وأن تبيت المرأة في أهل الميت من غيرهم"
وكذلك الحديث في آية المنافق: "إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان".
وقول عبد الله: "الغناء ينْبت النِّفاق في القلب".
ليس وجوه هذه الآثار كلِّها في الذنوب (٤): أن راكبها يكون جاهلًا ولا كافرًا ولا منافقًا وهو مؤمن بالله وما جاء من عنده، ومؤد لفرائضه، ولكن معناها أنها تتبين من أفعال الكفار، محرمةٌ منهيٌّ عنها في الكتاب وفي السنة، ليتحاماها المسلمون ويتجنَّبوها، فلا يتشبهوا بشيءٍ من أخلاقهم ولا شرائعهم.
ولقد رُوي في بعض الحديث: "إن السَّواد خِضاب الكفار"، فهل يكون لأحدٍ أن يقول: إنه يكفر من أجل الخِضاب؟
وكذلك حديثه في المرأة إذا استعطرت، ثم مرَّت بقومٍ يوجد ريحُها: "أنها زانية"، فهل يكون هذا على الزِّنا الذي تجب فيه الحدود؟
ومثله قوله: "المستبَّان شيطانان يتهاتران ويتكاذبان"، أفيُتَّهم عليه أنه أراد الشياطين الذين هم أولاد إبليس؟
إنما هذا كلُّه على ما أعلمتك من الأفعال والأخلاق والسُّنن، وكذلك كل ما كان فيه ذكر كفرٍ أو شركٍ لأهل القبلة فهو عندنا على هذا.
وقال الطبري:
" اجعل لنا " يا موسى " إلهًا ", يقول: مثالا نعبده وصنما نتخذُه إلهًا, كما لهؤلاء القوم أصنامٌ يعبدونها. ولا تنبغي العبادة لشيء سوى الله الواحد القهار. وقال موسى صلوات الله عليه: إنكم أيها القوم قوم تجهلون عظمة الله وواجبَ حقه عليكم, ولا تعلمون أنه لا تجوز العبادة لشيء سوى الله الذي له ملك السماوات والأرض.
فقد تبين ان هذا القول اجتهاد خاطئ من الطبري رحمه الله لمخالفته المعنى المأخوذ من سياق الآية ولما دل عليه الحديث النبوي في ذات أنواط، ونحن نُجِل علماء السلف رحمهم الله ونعرف لهم منزلتهم، ولا ندعي فيهم العصمة بل كل يؤخذ من قوله ويترك، ولا شك ان العلم الشرعي الذي مع الطبري رحمه الله علوم نافعة كثيرة في معالم الدين وفي التفسير والحديث وعِلَلِه والفقه واصوله والعربية واشعارها والتاريخ والمغازي والأنساب والتراجم والسير وغيرها، ومن كان كذلك فلا شك من وقوعه في الخطأ في بعض المواضع وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ، فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ، فَلَهُ أجر.
لقد بين الإمام الطبري رحمه الله منهجه في عدم عذر المشركين بالجهل في أكثر من موضع في كتابيه جامع البيان والتبصير في معالم الدين ولا يمكن ان يكون كلامه هنا محمولا على العذر بالجهل، لأنه لم يقل بأن موسى لم يكفرهم، بل جائز ان يكونوا عنده قد كفروا بقولهم وتابوا من كفرهم، إذ ليس في الآيات دليل قطعي على عدم إكفار موسى لهم.
فإننا لو فرضنا بأنهم كفروا بقولهم هذا ، فإن ذلك لا يكون حجة على العذر بالجهل لأن قول موسى عليه السلام : إنكم قوم تجهلون. لا يعني عذرهم بالجهل ، بل القرآن وصف المشركين بالجاهلين، فوصفهم بالجاهلين لا ينفي عنهم الشرك. قال تعالى:
قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ.
فنؤكد أن دين السلف رحمهم الله :
• الحجة على التوحيد قائمة بالعقل والفطرة قبل الرسالة،
• كما دلّ عليه قوله تعالى:
﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ﴾
فـ:
• الجاهل بالتوحيد كافر قبل الرسالة،
• والجاهل بالشرائع لا يُكْفَر إلا بعد قيام الحجة الرسالية.
وهذا هو التفريق الصحيح الذي دلّ عليه:
• القرآن
• والسنة
• وإجماع السلف
فمن:
• اتخذ القبر مسجدا،
• أو اعتكف عنده وتبرك به،
• أو ظن أن ذلك وسيلة تقرّبه إلى الله،
❖ فهذا بدعة منكرة وذريعة إلى الشرك،
❖ وليس شركًا أكبر إلا إذا:
• دعا الميت،
• أو استغاث به،
• أو اعتقد تصرفه في الكون،
• أو صرف له عبادة كالدعاء أو الذبح أو الطواف.
وخلاصة الجواب:
• بنو إسرائيل لم يطلبوا عبادة الأصنام، وإنما التشبّه بالمشركين في العكوف عند آلهتهم.
• موسى ﷺ لم يُكْفِرهم حينها لأنهم لم يقعوا في الشرك بعد.
• النبي ﷺ جعل قول الصحابة كقول بني إسرائيل، ولم يُكفرهم.
• العكوف والتبرك المحدث بدعة منكرة لا يكفر صاحبها.
• الشرك هو صرف العبادة لغير الله.
• التوحيد تُقام حجته بالعقل والفطرة قبل الرسالة.
• الجهل بالشرائع يُعذر به حتى تقوم الحجة.
• الجاهل بالتوحيد غير معذور.
وصلى الله على رسول الله وعلى آله الطيبين
ورضي الله عن صحبه أجمعين.
المستقوي بالله
جماعة المسلمين
11 رجب 1447 هجري


تعليقات