كأس العالم للدعوة
لماذا لا تُنظَّم بطولة عالمية للحجة والدليل؟
يتابع العالم بطولات كأس العالم باهتمام بالغ، وتنفق الدول والمؤسسات أموالاً ضخمة من أجل تنظيم المنافسات الرياضية، وإقامة الملاعب، واستقبال الجماهير، وتغطية المباريات إعلامياً. ولكن هناك سؤال أعظم أثراً في حياة الإنسان ومصيره: ما الدين الصحيح؟ وما المنهج الذي يقوم على أقوى الأدلة وأوضح الحجج؟
إذا كان الناس ينظمون بطولة عالمية لمعرفة أفضل منتخب في كرة القدم، فلماذا لا ينظمون بطولة عالمية لمعرفة من هي الجماعة التي على حق؟ يشترك فيها ممثلو الأديان والمذاهب والمناهج المختلفة، وتُعرض فيها أدلة كل طرف أمام الناس بصورة واضحة ومنظمة وعادلة؟
إن هذه البطولة المفترض ان تكون منافسة علمية ودعوية فكرية، تقوم على الحجة القطعية، والنصوص، والحقائق التاريخية، والضرورة العقلية، والقياس، والقدرة على الإجابة عن الأسئلة الكبرى المتعلقة بالله تعالى ذكره، والنبوة، والعبادة، والغاية من الحياة، والخير والشر، ومصير الإنسان بعد الموت.
ما المقصود بكأس العالم للدعوة؟
المقصود هو تنظيم سلسلة عالمية من المناظرات والحوارات العلمية بين الأديان والمناهج الفكرية والدينية، وفق قواعد معلنة ومتساوية، بحيث يقدم كل طرف تعريفه للدين، وأدلته على صحة معتقده، وأجوبته عن الاعتراضات الموجهة إليه.
ولا يكون الهدف إكراه أحد على تغيير دينه، وإنما تمكين جميع الأطراف من عرض حججها أمام العالم، ثم ترك المجال للناس حتى يدرسوا الأدلة ويختاروا ما يرونه حقاً، لأننا موقنون بأن هذا سيظهر تفوق حجة المسلمين وضعف كيد الكافرين.
والإنسان في النهاية مسؤول عن اختياره: هل يتبع الدليل عندما يظهر له، أم يرفضه بسبب التقليد أو التعصب أو المصالح السياسية والاجتماعية؟
مراحل البطولة
بدل المباريات الرياضية تكون هناك مناظرات علمية موثقة.
تبدأ بمرحلة تسجيل المشاركين، حيث تقدم كل ديانة أو جماعة أو مدرسة فكرية ملفاً يوضح أصولها، ومصادرها المعتمدة، وأهم أدلتها، وموقفها من القضايا الأساسية.
ثم تأتي مراحل إقصائية، فتُجرى مناظرات بين الأطراف حول محاور محددة، مثل:
• الدليل على وجود الله وصفاته.
• معنى التوحيد والشرك.
• مفهوم الوحي والنبوة.
• صحة الكتب والنصوص الدينية.
• مفهوم العبادة والطاعة والتشريع.
• العلاقة بين العقل والنقل.
• معنى النجاة والمسؤولية الفردية والجماعية.
• قدرة التشريع الديني على الإجابة عن الأسئلة الأخلاقية والاجتماعية.
• موقف كل دين من العدل في الحكم وحقوق المجتمعات.
ويتأهل إلى المراحل اللاحقة من يقدم أدلة أقوى، وأجوبة أكثر وضوحاً، ومنهجاً أكثر اتساقاً، مع تمكين الطرف الآخر دائماً من الرد والتعقيب.
أما المرحلة النهائية، فتكون مناظرة موسعة أمام جمهور عالمي، تُعرض فيها أقوى الحجج والاعتراضات، ويُنشر معها ملف كامل يحتوي على النصوص والمراجع والتسجيلات والتقييمات، حتى يستطيع كل إنسان مراجعة الأدلة بنفسه، لا أن يكتفي بالتصويت العاطفي أو الانطباعات الإعلامية.
دور الذكاء الاصطناعي
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون أداة أساسية في هذه البطولة، لما يمتلكه من قدرة على البحث في آلاف الكتب والوثائق، ومقارنة النصوص، وترتيب الحجج، واكتشاف التناقضات، والتحقق من الاقتباسات والمراجع.
ويمكن استخدامه في تفريغ المناظرات وترجمتها إلى لغات متعددة، وتصنيف الحجج، والتمييز بين الدليل والادعاء، وكشف المغالطات المنطقية، وتحديد الأسئلة التي لم يجب عنها أحد الأطراف.
كما يمكنه إنشاء قاعدة بيانات مفتوحة تضع أمام الناس أدلة كل طرف، والاعتراضات عليها، والأجوبة المقدمة بشأنها، بحيث يستطيع الباحث الرجوع إلى الموضوع كاملاً دون أن يخضع لاختيار إعلامي انتقائي.
لكن يجب الانتباه إلى أن الذكاء الاصطناعي ليس معصوماً، ولا يكفي أن نصفه بأنه محايد حتى يصبح محايداً بالفعل. فقد تتأثر أنظمته بالبيانات التي تدرب عليها، أو بالجهات التي تطوره، أو بطريقة صياغة الأسئلة ومعايير التقييم.
لذلك ينبغي ألا يكون هناك نظام واحد مغلق يتحكم في النتائج، بل مجموعة من الأنظمة المستقلة، مع نشر قواعد التقييم، وإتاحة النتائج للمشاركين والجمهور بجميع اللغات الممكنة. كما يجب أن تكون المصادر والأوامر والخطوات التي اعتمد عليها الذكاء الاصطناعي قابلة للتدقيق.
فالذكاء الاصطناعي في هذه البطولة يكون مساعداً في البحث والتحليل بمثابة غرفة الVAR، لا يصدر حكماً نهائياً، وليس بديلاً عن العقل والفطرة والمسؤولية الإنسانية. ولكن يساعدنا في تثبيت الحجة على المشركين وتوثيق حيدهم وهروبهم من الجواب، وهو الشيء الذي اعتادوا على التنصل من مسؤوليته في العادة.
كيف يتحقق الحياد؟
لا يتحقق الحياد بمجرد إعلان وجود لجنة محايدة، بل يحتاج إلى قواعد واضحة ومراقبة مستمرة.
يجب أن يمثل في اللجنة خبراء في الذكاء الاصطناعي، والاحصاء، والبحث، والتدقيق، والتحقيق، مع منع أي حكومة أو مؤسسة اقتصادية أو دينية من التحكم في النتائج.
كما يجب أن تكون معايير التقييم معلنة قبل بدء البطولة، فلا تُغير لمصلحة طرف بعد ظهور النتائج. ومن أهم هذه المعايير:
صحة الاستدلال، وثبوت النص، وسلامة النقل، والانسجام الداخلي، والقدرة على الإجابة المباشرة، وعدم التهرب من الاعتراضات، وعدم تحريف كلام الخصم، والتمييز بين ما يقوله الدين فعلاً وما يفعله المنتسبون إليه.
ولا ينبغي أن يكون عدد الأتباع، أو قوة الدولة، أو المال، أو النفوذ الإعلامي، أو شهرة المتحدث سبباً في ترجيح أي طرف. فقد يكون الرأي الذي يتبعه الملايين ضعيف الدليل، ويكون الحق مع جماعة قليلة لا تملك نفوذاً ولا وسائل إعلام واسعة.
من يشارك في البطولة؟
عدد الأديان والمذاهب والمناهج في العالم كبير جداً، ولا ينبغي أن تقتصر المشاركة على المؤسسات الدينية المشهورة أو المعترف بها سياسياً، لأن الاعتراف الرسمي ليس دليلاً على صحة الديانة.
ومن بين المشاركين الذين ينبغي أن تتاح لهم فرصة عرض أدلتهم جماعة المسلمين وإمامها، حتى تقدم تعريفها للإسلام، ومفهومها للتوحيد، والإمامة، والبيعة، والجماعة، والحكم بما أنزل الله، وموقفها من الأديان والمذاهب والمناهج القائمة. وهذا هو هدفنا الأساسي من هذا التحدي.
ولا ينبغي لهم الحكم عليها بالرفض قبل سماع أدلتها. وإنما العدل أن تقدم حججها مثل سائر الأطراف، وأن تناقش نصوصها وأدلتها مناقشة علمية صريحة، ويُسمح لمخالفيها بتوجيه الاعتراضات إليها، كما يُسمح لها بالرد عليهم وتوجيه الأسئلة إلى مناهجهم.
فالحق لا يحتاج إلى حماية من السؤال، ولا ينبغي أن يخاف أصحابه من الحوار، كما لا يجوز أن تُمنع جماعة المسلمين من الكلام لمجرد أنها تُخالف المألوف أو السائد.
لا يكون الجمهور حكماً نهائياً
يمكن للجمهور أن يصوت على وضوح العرض وقوة الإقناع، لكن الحقيقة لا تُعرف دائماً بكثرة الأصوات. فقد يتأثر الجمهور بالخطابة أو الشهرة أو اللغة أو الصورة الإعلامية.
لذلك ينبغي الفصل بين تصويت الجمهور والتقييم العلمي. ويكون الحكم الحقيقي مبنياً على الأدلة المنشورة، مع بقاء باب المراجعة والنقد مفتوحاً.
وبما أن جماعة المسلمين ليس لديها سلطة تخول لها الحكم فمن المناسب لنا ان تكون النتيجة بياناً يوضح حجج الأطراف وفق المعايير المحددة، وما تم الجواب عنه وما تم التهرب من إجابته، علما بأن جماعة المسلمين هي الوحيدة التي توافق جميع الأدلة العقلية والنقلية بفضل الله، وأما باقي الديانات والمناهج فلا تخلو من التناقضات والآراء المبنية على الظنون وليس اليقين. وهذا ما نسعى لتوضيحه. وبعد ذلك يبقى لكل إنسان أن يقرأ ويبحث ويختار ويتحمل مسؤولية اختياره.
موسى مع سحرة فرعون نموذج للمواجهة العلنية
الدليل على مشروعية المواجهة العلنية بين الحق والباطل ما ذكره الله تعالى في قصة موسى عليه السلام مع فرعون وسحرته، قال تعالى: ﴿ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى * قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى * فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى * قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى﴾. فقد قبل موسى عليه السلام أن تكون المواجهة في موعد معلوم، ومكان ظاهر مستو، وأن يحشر الناس ضحى حتى يشاهد الجميع حجج الطرفين، ولا تبقى القضية محصورة في مجالس مغلقة أو خاضعة لرواية طرف واحد. وكان سحرة فرعون يومئذ يمثلون الديانة الباطلة التي ترعاها السلطة ويقبلها المجتمع القائم، ومع ذلك لم يمنعهم موسى من عرض ما عندهم، وإنما واجههم أمام الناس بآية الله، بعد أن حذرهم من الكذب والافتراء فقال: ﴿ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى﴾. فالعالم اليوم مقسم لمجموعة من السلط الفرعونية ويلعب رجال الديانات المختلفة دور السحرة في دفاعهم عن سلطان الطاغوت، ولكن هذا الباطل كله يزهق أمام حجة الإسلام الدامغة، سواء آمن بها الناس أو كفروا.
لماذا هذه البطولة أهم؟
تستمر بطولة كأس العالم لكرة القدم أسابيع، ثم تنتهي بفوز منتخب وحصوله على كأس، وقد يفرح الجمهور بالنتيجة مدة من الزمن. أما السؤال عن الدين الصحيح، فيتعلق بسعادة الإنسان، وعبادته، وأخلاقه، وحياته كلها، وبما ينتظره بعد الموت.
ولهذا فإن تنظيم مناظرة عالمية كبرى للبحث عن الدين والمنهج الصحيح سيكون أهم من كثير من المنافسات التي تنفق عليها الأموال والطاقات.
إن العالم يمتلك اليوم وسائل الاتصال والترجمة والبحث والذكاء الاصطناعي، ولم يعد مقبولاً أن يعيش كل مجتمع داخل دائرة مغلقة، يسمع عن الآخرين من خصومهم فقط، أو يرث دينه دون أن يعرف أدلته وأدلة المخالفين.
لقد حان الوقت لإقامة حوار عالمي مفتوح، تُعرض فيه النصوص والأدلة والاعتراضات والأجوبة، ويُمنح كل طرف وقتاً متساوياً وفرصة عادلة.
قد لا يتفق الناس جميعاً بعد انتهاء البطولة، ولكنهم على الأقل سيعرفون ما يقوله كل طرف حقيقة، وما الأدلة التي يعتمد عليها، وأين أجاب، وأين عجز، وأين ثبتت حجته، وأين ظهرت التناقضات.
مخطئ من يظن بأن كأس العالم للدعوة بالصفة التي تكلمت عنها سيحول الدين إلى لعبة، غير مدرك بأنها دعوة إلى التعامل مع أعظم أسئلة الوجود بالجدية التي تستحقها.
وليكن الشعار:
لا غالب بالنفوذ أو المال أو كثرة الأتباع، وإنما الغلبة للحجة والدليل، والاختيار للإنسان، والمسؤولية عليه أمام الله.
المستقوي بالله
جماعة المسلمين
٠٣ صفر ١٤٤٨





Comments