top of page
Search

الأسرة المسلمة

كيف تبني أسرة مسلمة ناجحة



إن من القضايا التي أصبحت تحتل مساحة واسعة جداً من التفكير المعاصر مسألة الزواج والأسرة والعلاقات بين الرجل والمرأة. وقد ساهمت التصورات الغربية الحديثة، بما تحمله من مفاهيم وقيم اجتماعية ونسوية، في جعل العلاقة العاطفية محوراً أساسياً في تعريف الإنسان لذاته وفي تحديد سعادته ونجاحه في الحياة.

لكن الإنسان مطالب بأن ينتبه إلى أمر جوهري: لا ينبغي أن تسمح للمفاهيم القادمة من خارج المنظومة الإسلامية بأن تعيد ترتيب أولوياتك الدينية، حتى يصبح الارتباط بين الجنسين وكأنه الغاية الكبرى من الحياة، أو حتى يتحول إلى "صنم" فكري يستولي على مركز الاهتمام الذي ينبغي أن يحتله التوحيد.

إن مركز الإسلام هو توحيد الله سبحانه وتعالى. فالمسألة الأساسية التي جاء بها الأنبياء جميعاً هي عبادة الله وحده وعدم الإشراك به. وإذا استقام هذا الأصل في حياة الإنسان، استقامت تبعاً له بقية جوانب حياته، ومن بينها الأسرة والزواج والعلاقات الاجتماعية.

ولهذا فإن السؤال الأول الذي ينبغي أن يطرحه الإنسان عند التفكير في الأسرة ليس فقط: "ما هي المواصفات المثالية التي أبحث عنها في الزوج أو الزوجة؟"، ولكن أولا: "هل نحن جميعاً نسعى إلى طاعة الله والاحتكام إلى كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؟"

فإذا كانت الأرضية المشتركة بين الزوجين هي الإيمان بالله، والالتزام بأحكامه، والاقتداء برسوله صلى الله عليه وسلم، والحرص على الأخلاق الحسنة والعشرة بالمعروف، فإن كثيراً من الإشكالات التي تبدو اليوم معقدة تصبح أبسط بكثير.

وإذا نظرنا إلى المجتمع المسلم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وجدنا أن الروابط الأسرية والاجتماعية كانت جزءاً من نسيج اجتماعي متماسك، ولم يكن الزواج قائماً على البحث عن "شخص مثالي" وفق قائمة طويلة من المعايير الشخصية والاجتماعية.

لقد تزوج النبي صلى الله عليه وسلم عائشة رضي الله عنها، وهي ابنة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، كما تزوج حفصة رضي الله عنها، وهي ابنة عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وزوّج عثمان بن عفان رضي الله عنه بابنته رقية رضي الله عنها، ثم بعد وفاتها زوّجه بابنته أم كلثوم رضي الله عنها، ولذلك عُرف عثمان رضي الله عنه بذي النورين. كما زوّج ابنته فاطمة الزهراء رضي الله عنها بعلي بن أبي طالب رضي الله عنه.

وتكشف هذه العلاقات عن درجة عالية من الترابط بين الأسر والبيوت داخل المجتمع المسلم الأول. كما أن أم حبيبة رضي الله عنها، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، كانت أخت معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه.

ولم يكن هذا الترابط العائلي قائماً على المصالح الدنيوية، بل كان جزءاً من مجتمع تشكلت علاقاته على أساس الدين والإيمان والولاء لله ورسوله.

وهذا يظهر كذلك أهمية دور الولي في الزواج. فالولي ليس مجرد طرف شكلي في عقد الزواج، وإنما يجب أن يكون له دور مهم في التعارف والتنسيق والنصح، مستفيداً من معرفته بأسرته وبالرجل الذي يتقدم إليها، وبما يحقق المصلحة ويصون عفة المرأة وكرامتها.

لكننا في زماننا نرى أن الأمور أصبحت أكثر تعقيداً. ارتفعت معدلات الطلاق، وأصبح الشباب والشابات في حيرة شديدة عند اختيار شريك الحياة. ما المواصفات المطلوبة؟ ما العمر المناسب؟ ما المستوى المادي؟ ما الشكل؟ ما الشخصية؟ ما المستوى الاجتماعي؟ وما إلى ذلك.

وقد تتحول هذه الأسئلة في بعض الأحيان إلى قائمة لا تنتهي من الشروط، حتى يصبح الإنسان عاجزاً عن اتخاذ القرار.

ولكن جزء كبير من المشكلة في الأساس الذي ننطلق منه.

فإذا كان المجتمع يستورد تصوراته عن الزواج والعلاقات الإنسانية من بيئة ثقافية غربية، ثم يحاول إلباس تلك التصورات زيا إسلاميا، فمن الطبيعي أن تظهر التناقضات والحيرة.

أما إذا كان القرآن والسنة هما الأرضية المشتركة التي ينطلق منها الرجل والمرأة والأسرة، فإن معيار الاختيار يصبح أوضح، كما يصبح حل النزاعات أكثر وضوحاً.

فالأسرة المسلمة لا تحتاج إلى أن تكون خالية من الخلافات؛ فالاختلاف بين البشر أمر طبيعي. لكنها تحتاج إلى مرجعية مشتركة يعود إليها الزوجان عندما يختلفان. وهذه المرجعية هي كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

وعندما تتعقد النزاعات، يمكن كذلك تحكيم الإمام الذي تثق به الأسرة وتطلب تدخله ونصيحته، بدلاً من أن يتحول كل خلاف إلى صراع بين إرادتين مستقلتين، لا يجمعهما معيار أعلى يحتكمان إليه.

وهنا نصل إلى فكرة أساسية: المطلوب ليس أن نبحث عن إنسان "مثالي" بمواصفات خارقة، وإنما أن نبحث عن إنسان صالح لديه الاستعداد لأن يتعلم، ويتغير، ويتحسن، ويلتزم بأحكام الله.

فالزوجة ليست مطالبة بأن تأتي وهي تحمل كل الصفات التي يتخيلها الزوج، كما أن الزوج ليس مطالباً بأن يكون شخصاً كاملاً لا نقص فيه. الإنسان بطبيعته ناقص، لكنه يستطيع أن يكتسب الفضائل وأن يتربى عليها.

المهم هو وجود القابلية.

القابلية للالتزام بالدين، والقابلية للتعلم، والقابلية للتأقلم، والقابلية لتحمل المسؤولية، والقابلية للعشرة بالمعروف، والقابلية لقبول النصح والتوجيه.

فالزوجة الصالحة هي التي لديها الاستعداد لأن تعيش مع زوجها في إطار مبادئ الدين، وأن تتعاون معه على الخير، كما أن الزوج الصالح هو الذي لديه الاستعداد لأن يتحمل مسؤوليته، وأن يخضع لأحكام الكتاب والسنة، وأن يتحلى بالأخلاق التي أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يعاشر زوجته بالمعروف.

وبهذا المعنى، لا ينبغي لك أن تكون أسير للمواصفات التي يفرضها عليك المجتمع، بل ينبغي أن تكون لديك القدرة على بناء المواصفات الجيدة داخل الأسرة من خلال التربية والإيمان والممارسة اليومية.

إن الأسرة الناجحة ليست الأسرة التي اجتمع فيها شخصان كاملان، وإنما الأسرة التي اجتمع فيها شخصان يريدان أن يصبحا أفضل، ويملكان مرجعية مشتركة تساعدهما على ذلك.


وفي النهاية، فإن القضية ليست أن نجعل الزواج محور حياتنا، وإنما أن نجعل علاقتنا بالله هي المحور، ثم تأتي الأسرة باعتبارها واحدة من المجالات التي نطبق فيها هذا الإيمان.

فإذا صلح التوحيد، وصلحت علاقة الإنسان بربه، والتزم بأحكام دينه، وتعلم أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم، والتزم بالمعروف في تعامله مع الآخرين، فإن أثر ذلك سينعكس على أسرته ومجتمعه.

ولذلك ربما يكون السؤال الذي ينبغي أن نعيد طرحه اليوم ليس: "كيف نجد الزوج أو الزوجة المثالية؟"، وإنما:

"كيف نبني إنساناً صالحاً يستطيع أن يكون زوجاً أو زوجة صالحين؟"

وكذلك: هل نبحث عن شخص تنطبق عليه جميع المواصفات التي يطلبها المجتمع مع أنه لا يوفر العدد الكافي منها، أم نبحث عن شخص مؤمن لديه الاستعداد لأن يتعلم ويهذب نفسه ويبني معنا أسرة على أساس كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؟

فعندما يعيد المجتمع الزواج إلى مكانه الطبيعي داخل منظومة المبادئ والمفاهيم، ونعيد التوحيد إلى مركز حياتنا، ستصبح كثير من الأسئلة التي تبدو اليوم مستعصية أكثر وضوحاً وبساطة.



 
 
 

Recent Posts

See All
الفرق بين الصنم والوثن

معنى الصنم والوثن عند السلف رحمهم الله القول في تأويل قوله : أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن قيل إبراهيم لأبيه

 
 
 
المولد بدعة

أعياد المسلمين عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَلَهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا، فَقَالَ : " مَا هَذَانِ الْيَوْمَانِ ؟ ". قَالُوا : كُ

 
 
 

Comments


جماعة المسلمين وإمامهم

البريد الإلكتروني: Imamabounacer@gmail.com

الهاتف : 00212661707896

  • بيعة الإسلام لله
  • جماعة المسلمين وإمامهم
  • Telegram
  • الصفحة الرسمية على فيسبوك
  • وتساب
bottom of page