كأس العالم
من سيربح كأس العالم؟
موضوع كرة القدم يحتاج إلى نظر من عدة جوانب، حتى لا يقع الخلط بين أصل الرياضة، وبين ما صار يحيط بها في هذا الزمان من رسائل ومنكرات وأجندات.
فكرة القدم من حيث الأصل رياضة، والرياضة في نفسها مشروعة، كرياضة الجري والمسابقة ونحو ذلك، فلا مانع شرعي من هذا الجانب. وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم سابق أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه صارع ركانة فصرعه النبي صلى الله عليه وسلم. والشواهد على هذا الأمر كثيرة بفضل الله.
فالرياضة نفسها ليست محرمة، بل هي في أصلها مطلوبة ومشروعة إذا كانت في حدود ما أباحه الله. وقد جاء في الحديث: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير». ومعلوم أن تحمل مسؤوليات الدعوة إلى الله تبارك وتعالى يحتاج إلى قوة، وبناء هذه القوة قد يكون من خلال تمارين رياضية مختلفة، وليس بالضرورة من خلال كرة القدم. والمقصود هنا أن كرة القدم كرياضة جائزة ومشروعة من حيث الأصل.
لكن كرة القدم لم تعد لعبة بريئة فقط، بل أصبحت أكثر من ذلك بكثير. فقد صارت لها جماهير، ونفوذ، وإدارة، وتحكيم، وهياكل، ومؤسسات، ولوبيات ضاغطة، وأهداف ورسائل.
وإذا وضعنا هذه الصورة في سياقها الصحيح، وهو سياق العالم الجاهلي الذي نعيش فيه اليوم، علمنا أن كرة القدم، مثلها مثل كثير من المؤسسات والتظاهرات العالمية، تُستعمل في خدمة أجندات عالمية. كما تستعمل المهرجانات، والمسلسلات، والمنظمات الدولية، والبنوك العالمية، وغيرها من الوسائل لخدمة أجندات المجتمعات والنخب الحاكمة التي تملك السلطة في هذا العالم، الذي أصبح في هذا الزمن يشبه القرية الصغيرة.
وتختلف هذه الأهداف والرسائل التي يتم تمريرها عبر التظاهرات العالمية لكرة القدم، وعبر هذا النشاط عموماً، من حيث حجمها، وقدرتها على التأثير، ومداها، وخطورتها.
فمن هذه الرسائل والمنكرات: التطبيع مع الاختلاط، والعري، والسفر بغير محرم، والمشروبات الكحولية المسكرة، والأغاني، والمعازف، وكشف العورات، والغش، والقمار، وغيرها من المنكرات التي حرمها الله على المسلمين، وحرمها على الناس عموماً.
فتجد الناس يستحلون هذه المنكرات، ولا يحرمون ما حرم الله. وإذا ارتفع صوت من أجل الإنكار، بدا شاذاً وغريباً، وصعب عليه أن يجد مكانه الصحيح وسط هذه الغوغاء.
وهناك رسائل لا تقل خطورة، بل هي أخطر، وهي رسالة التعصب الجاهلي للحدود الوطنية، والقوميات، والجغرافيا، والتراب. وقد نسي الناس أنهم كلهم بنو آدم.
فلو نظرت إلى رقعة الملعب، وألبست جميع اللاعبين قمصاناً بنفس الألوان، لأوشكت ألا تميز بين بلد وبلد. فالناس كلهم بنو آدم، لهم شعر، وأعين، وأنف، وأذنان، ووجه، ويدان، وساقان. كل الناس هكذا، وكل اللاعبين هكذا. هم بنو آدم من جنس واحد، مخلوقون من أرض واحدة، ومن تراب واحد.
لكن الناس في هذه المباريات، وفي هذه التظاهرات، ينسون أنهم كلهم بنو آدم، وتتعاظم عندهم عصبية الجاهلية، حتى لا يبصروا إلا فريقهم الذي يحبونه ويصرفون إليه الولاء، وأما الفريق الخصم فينظرون إليه كأنه عدو يصرفون إليه العداء.
وقد يصل الأمر إلى درجة البكاء، والصراخ، والتطبيل، والإغماءات، والمراهنات بمبالغ كبيرة، ومظاهر الفرح العارمة بعد تسجيل هدف، ومظاهر الاحتفال بعد فوز في مباراة لكرة القدم. شيوخ، ونساء، وأطفال، وبنات، وشباب، كلهم يخرجون للتزمير في السيارات، والتزمير في الشوارع والطرقات، كأنهم عبروا الصراط وفتحت لهم أبواب الجنة.
وهذا من مكر الليل والنهار الذي ذكره الله في القرآن. فاستحلال المنكرات لا شك في أنه كفر، وبناء الولاء والبراء على أساس الأوطان، وليس على أساس الدين، كفر كذلك. وهكذا يتبين مرة أخرى مدى انتشار مظاهر الجاهلية، بل الكفر البواح، داخل الشعوب العربية والعجمية المنتسبة إلى الإسلام، وداخل باقي الشعوب أيضاً.
لكن هذا لا يعني أننا نحرم مشاهدة المباريات بإطلاق، أو ندخلها في خانة الكبائر من حيث الأصل، ولا يعني أننا نحرم لعب كرة القدم، أو التعاطف مع فريق ضد فريق، أو تعليم الأولاد كرة القدم. ولا يعني أيضاً أننا نمنع لاعب كرة القدم من دخول الإسلام، أو نمنع المدرب، أو الفريق التقني، أو المشرفين، من دخول الإسلام.
فاشتغال الإنسان في ميدان كرة القدم لا يمنعه من دخول الإسلام. وقضيتنا الأولى والكبرى هي قضية التوحيد. ونحن نعلم أن اللاعبين ليسوا مسؤولين مباشرين عن المنظومة بشكل كلي، وإنما حالهم يشبه حال من يشتغل في منظومة فاسدة، وهذا مما عم به البلاء، وخصوصاً في هذا الزمن.
ونحن في دار الكفر التي هي دار الضرورات، ولا تكاد تجد مهنة تخلو بشكل كامل من مجموعة من المنكرات. فقد تجد في الأعمال اختلاطاً، أو تبرجاً، أو سجائر، أو خلوة، أو ربا، أو غير ذلك من المخالفات. ولذلك لا بد من النظر إلى أبواب الرزق باعتبار تفاوتها.
فمن وجد الفرصة لأن يشتغل في إدارة الأعمال، أو كمقاول، أو كرجل أعمال، أو أن يستثمر المال كتاجر، وكانت عنده هذه الفرصة، فنقول له: فليستثمرها، وليبتعد عن هذا المجال تقديماً للمصلحة الراجحة. أما من لا يجد عملاً إلا الاشتغال في ميدان كرة القدم، فنقول له: نسأل الله أن ييسر له أبواباً من الرزق أفضل من هذا الباب.
كما أن هناك أبواباً من الرزق هي أسوأ من هذا الباب. والمقصود أن أبواب الرزق متفاوتة، وأن دار الكفر يقل فيها، بل لا يكاد يوجد فيها، عمل يخلو من منكرات، إما اختلاط، وإما تبرج، وإما سجائر، وإما خلوة، وإما ربا، أو غير ذلك.
والخلاصة الأساسية من هذه المقالة هي دعوة الناس إلى التوحيد الخالص، والتفريق بين المباح، وبين المظاهر المخالفة للشريعة التي تحيط بهذا المباح.
فيجب التفريق بين الموضعين: بين الرياضة من حيث هي رياضة، وبين ما يحيط بها من منكرات ورسائل جاهلية. ويجب أن يعلم الناس أن المسلمين لا يحرمون الرياضة، ولا يحرمون اللهو المباح، وإنما يحرمون ما حرمه الكتاب والسنة، ويدعون الناس إلى الرجوع إلى الفطرة.
ومن الرجوع إلى الفطرة أن يعلم الناس أنهم كلهم بنو آدم. فالأوروبي ابن آدم، والأفريقي ابن آدم، والآسيوي ابن آدم، والأمريكي ابن آدم. وكلهم أبناء عم من جهة الأصل الإنساني. فلا ينبغي أن ينظر الإنسان إلى الفريق الآخر، لمجرد أنه يحمل راية مختلفة وينتمي إلى جغرافيا مختلفة، على أنه عدو. ولا ينبغي أن ينظر إلى من يحمل نفس الحدود الجغرافية ونفس الراية على أنه صديق وحبيب بإطلاق.
ولكن الصحيح أن الولاء والبراء يكونان للدين. والولاء والبراء عبادة لله تبارك وتعالى، فمن صرف هذه العبادة لغير الله تعالى فقد أشرك ولم يعرف التوحيد. ولذلك ندعو الناس إلى التوحيد، ثم التوحيد، ثم التوحيد.
وكما نرى، فإنه لا يكاد يخلو موضوع نتطرق إليه من التطرق إلى موضوع الشرك والكفر، سواء كان ذلك في صلب الموضوع أو في شجون الكلام. لأننا كلما نظرنا في واقع الناس صادفنا مظاهر الكفر والشرك المنتشرة في الشعوب المنتسبة إلى الإسلام وغيرها.
وتبقى الرسالة الأخيرة، وهي الجواب عن السؤال المطروح في البداية: من هو الرابح من كأس العالم؟
نقول: الرابح الأول هو الشيطان، والطاغوت الأكبر، الذي جعل كرة القدم في هذا الزمان طاغوتاً يعبد من دون الله من جهة تعلق القلوب بها، وصرف الولاء والبراء لها، والعكوف على مشاهدتها، وبذل الأموال من أجلها، والهجرة والسفر في سبيلها، وشد الرحال إليها، وبذل الأنفس والأوقات في طريقها.
فترى بعض الأولتراس يبذلون أنفسهم، وقد يسجنون في سبيل الكرة، فصارت بهذا المعنى طاغوتاً يجب التحذير منه، لأنها تصرف عن عبادة الله، وتصرف عن الإسلام، وتصرف عن التوحيد.
وحين تبدأ بطولة كأس العالم، كأن الأزقة تخلو، وكأن مواقع التواصل تخلو من كل شيء إلا الكرة. فإذا تكلمت في الدعوة أو التوحيد، فكأنك تتكلم مع الجدران، لأنه لن يجيبك أحد إلا من رحم الله. فالناس منشغلون بالتحضير للمباراة القادمة، وليس لديهم وقت للقراءة ولا للإنصات.
ونحن نستثمر هذا الوقت فيما ينفع إن شاء الله، مع علمنا أن القلة القليلة هي التي ستقرأ هذا الموضوع في هذا الوقت الذي ينشغل فيه الناس بكرة القدم. وكأن الإنسان يضيع وقته عندما يكلمهم في هذه المرحلة، لأن وطأة هذا السحر، وهذه العبادة، وهذا الخضوع، وهذا الولاء، وهذه المشاعر المرتفعة من الفخر بالوطنية وتقديس الأعلام، تجعل الناس في حالة صدود شديد.
ولهذا قد يكون من الحكمة أحياناً أن يدخر الإنسان بعض الكلام حتى تنخفض وطأة هذا الانشغال، وحتى تهدأ هذه الحمى الجماعية. فأنت إذا كلمت الناس في هذه الفترة، فلن يعير كثير منهم لكلامك اهتماماً، وستجد الصدود، إلا من رحمه الله، وقذف في قلبه الهداية إلى الحق.
ومع ذلك، فالحق يجب أن يقال، ولو كره الناس، ولو انشغل الناس، ولو غفل الناس. فليست القضية كرة تدخل في مرمى، ولا كأساً يرفعها فريق، ولا راية تلوح بها جماهير. القضية أعمق من ذلك: إنها قضية القلوب، وقضية التوحيد، وقضية الولاء والبراء، وقضية عبادة الله وحده لا شريك له.
فمن ربح الكأس وخسر التوحيد، فقد خسر.
ومن فرح بالهدف ونسي ربه، فقد خسر.
ومن والى وعادى على الوطن والراية والتراب، ولم يوال ويعاد على الدين، فقد خسر.
وأما الرابح الحقيقي، فهو من أبصر الفتنة ولم يغتر بها، وعرف الحق فلم يتركه، واستعمل قوته ووقته فيما يرضي الله، ولم يجعل الكرة ولا غيرها طاغوتاً يصرفه عن عبادة الله.
فالكأس يذهب، والهتاف يسكت، والجماهير تتفرق، واللاعبون يشيخون، والملاعب تخلو، ولا يبقى إلا التوحيد والعمل الصالح.
﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾.
المستقوي بالله
جماعة المسلمين
24 محرم 1448





Comments