الرشوة المحرمة
الرشوة بين فساد المجتمع وضرورة دفع الظلم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فإن موضوع الرشوة من الموضوعات التي ينبغي أن تُعالج من عدة جوانب، حتى لا يختلط الحكم العام بالحالات الاستثنائية، ولا تختلط الرشوة المحرمة بدفع المال عند الضرورة لرفع الظلم أو استرداد الحق.
أولاً: الرشوة مسؤولية الدولة والمجتمع
إن تفشي الرشوة في بلد من البلدان ليس ذنب أفراد متفرقين فحسب، بل هو علامة على خلل عميق في الدولة والمجتمع معاً. فإذا قارنّا بين مجتمع مسلم حقيقي يقر بحكم الله ويعظم أمر الآخرة، وبين مجتمع ينتسب إلى الإسلام في الظاهر ثم تنتشر فيه الرشوة والفساد، ظهر الفرق واضحاً.
وقد ذكر الله تعالى في كتابه حال قوم يأخذون عرض الدنيا ويقولون: سيغفر لنا، فقال سبحانه:
﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾
وقد بيّن أهل التفسير أن هؤلاء كانوا مصرين على الذنب، يأخذون الحرام، ثم يتمنون على الله المغفرة، فإذا جاءهم مثل ذلك الحرام عادوا إليه مرة أخرى. وهذا يدل على أنهم لم يكونوا أهل توبة صادقة، بل أهل إصرار واستحلال.
ومن أعظم صور ذلك: الرشوة في الحكم، حيث يُبدل الحق بالباطل، ويُظلم صاحب الحق، وينتفع الظالم بماله، وتُباع العدالة بعرض من الدنيا.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي في الحكم»
رواه الترمذي.
فإذا تفشت الرشوة في المجتمع، دل ذلك على أن هذا المجتمع لم يطهّر نفسه من أخلاق الجاهلية، وأنه ما زال يقدم حطام الدنيا على سلامة الدين، ويأخذ المال من غير نظر: أهو من الحلال أم من الحرام؟
والمجتمع المسلم يطهر نفسه من الرشوة والفساد بوسائل كثيرة، منها: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتقديم أهل العلم والتقوى والأمانة، وتنصيب الصالحين في مواضع المسؤولية، لا تقديم الفاسدين وأهل الطمع والخيانة.
كما يطهر المجتمع نفسه بالخطب والمواعظ، وبالتربية في البيوت، وبالنصيحة في الأسواق، وبذكر الله في المساجد، وبتلاوة القرآن، وبغرس مراقبة الله في النفوس، وبالحث على ابتغاء ما عند الله، والطمع في الدار الآخرة، وتقديم سلامة الدين على حطام الدنيا.
وكذلك في المجتمع المسلم فإن الناس يشعرون بالعدالة الإجتماعية وتكافؤ الفرص والإنصاف في الأجور والمساواة أمام القضاء. مما يسهم بشكل كبير في إضعاف هذه المظاهر السيئة في المجتمع.
ثانياً: الفرق بين الرشوة المحرمة ودفع المال لدفع الظلم
الأصل أن الرشوة محرمة، سواء في الحكم أو في الخدمات الإدارية التي يجب على الدولة وموظفيها القيام بها من غير أخذ مال زائد ولا ابتزاز للناس.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه في واقعنا اليوم هو: هل يستطيع الإنسان دائماً أن يمتنع امتناعاً كلياً عن دفع المال إذا وقع تحت ظلم أو تهديد أو ابتزاز؟
هنا لابد من التفريق بين حالتين:
الحالة الأولى: أن يدفع الإنسان المال ليأخذ ما ليس من حقه، أو ليبطل حق غيره، أو ليستولي على أرض أو مال أو وظيفة أو حكم لا يستحقه، أو ليتهم بريئاً، أو ليظلم غيره. فهذه هي الرشوة المحرمة، وصاحبها داخل في الوعيد، لأنه أعان على الظلم وأكل أموال الناس بالباطل.
والحالة الثانية: أن يكون الإنسان مظلوماً، أو مهدداً بظلم كبير في نفسه أو ماله، كأن يخاف سجناً ظالماً، أو قتلاً، أو غدراً، أو ضياع حق ثابت له، ولا يجد طريقاً لدفع هذا الظلم إلا بدفع مال. فهذه ليست كمن يدفع ليظلم غيره، بل هو يدفع ليرفع الظلم عن نفسه أو ليسترد حقه.
وهذا يدخل في باب الضرورة، والضرورة تقدر بقدرها، فلا يجوز أن يتوسع الإنسان في هذا الباب، ولا أن يجعله ذريعة لأكل الحرام، ولا أن يتجاوز موضع الحاجة.
وقد جاء في حديث يحيى عليه السلام لبني إسرائيل أنه قال لهم في شأن الصدقة: إن مثلها كمثل رجل أسره العدو، فأوثقوا يده إلى عنقه، وقدموه ليضربوا عنقه، فقال: أنا أفديه منكم بالقليل والكثير، ففدى نفسه منهم.. رواه الترمذي.
ففي هذا المعنى إشارة إلى أن بذل المال قد يكون سبباً في فداء النفس ودفع الهلاك والظلم عنها. فمن دفع ماله مضطراً ليدفع عن نفسه ظلماً عظيماً، فليس كمن يدفع المال ليعتدي على حقوق الناس.
ثالثاً: هدايا العمال والموظفين
ومن المسائل المتصلة بهذا الباب: هدايا العمال والموظفين.
فقد جاء أن عاملاً من عمال الزكاة قال للنبي صلى الله عليه وسلم: هذا لكم، وهذا أهدي إلي. فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، وخطب الناس وبيّن أن العامل لو قعد في بيت أبيه وأمه، هل كانت تأتيه تلك الهدية؟
وهذا يدل على أن الهدية لا تجوز إذا كانت بسبب المنصب والعمل، وليست هدية بريئة. ففي دار الإسلام، حيث تقوم الدولة على حكم الله، وتكون المسؤوليات أمانات شرعية، لا يجوز للموظف أو العامل أن يأخذ هدية أو إكرامية بسبب منصبه.
رابعاً: الواقع المختلف وحكم الهدايا المتعارف عليها
أما واقع الناس اليوم ليس كواقع دولة الإسلام التي عرفتها الأمة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين. ويقتضي التفريق بين الرشوة التي تبطل حقاً أو تحق باطلاً، وبين هدية أو إكرامية جرى بها العرف في هذا النوع من المجتمعات.
فإذا كان المسلم المقيم في دار الكفر يعمل في موضع معين، وأعطاه الناس شيئاً معروفاً ظاهراً لا على وجه السرقة ولا الخيانة ولا إبطال الحقوق، كإكرامية متعارف عليها في بعض الأعمال (عامل في المقهى، سائق، عامل توصيل...)، فهذا لا يأخذ حكم الرشوة المحرمة إذا لم يكن فيه ظلم ولا غدر ولا مخالفة للأمانة، واذا تركه المسلم من باب الورع فلا نُنكَرُ عليه.
وقد نُقل عن أبي حنيفة رحمه الله، جواز أخذ أموال أهل الدار في دار الكفر بكل وجه بشرط الا يكون ذلك عن طريق الغدر والخيانة، لأن الأصل في مال الكافر الحل ولأن الغدر والخيانة حرما بمقتضى الأمان والعهد . وهذا باب فقهي له تفصيله، والمقصود أن الحكم يختلف باختلاف الدار ووجود الظلم من عدمه.
فالقاعدة الجامعة هنا: كل مال أُخذ لإبطال حق أو إحقاق باطل أو خيانة أمانة فهو حرام. وأما الهدية الظاهرة المتعارف عليها عندهم والتي لا يكون لها أثر ظاهر على الخدمة ولا يحصل بها ظلم، ولا غدر، ولا خيانة، ولا تجرمها قوانين الدولة، فلا يحرم أخذها وإهداءها في دار الكفر، والتورع في هذا الباب جائز كما ذكرت.
خامساً: الطريق الحقيقي للقضاء على الرشوة
إن القضاء على الرشوة لا يكون بمجرد القوانين الظاهرة، مع أهمية الزجر والمنع، وإنما يكون قبل ذلك بالرجوع إلى التوحيد، وتعظيم حكم الله، وإقامة الدين في القلوب والمجتمع.
فالطريق إلى القضاء على الرشوة والفساد والسرقة والظلم هو طريق التوحيد؛ أن يرجع الناس إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، بما تقتضيه من الحكم بشرع الله، واتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولزوم سبيل المؤمنين، والولاء للمؤمنين والبراء من المشركين، والكفر بكل ما عُبد من دون الله، وإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له.
فإذا رجع الناس إلى التوحيد، ولزموا جماعة المسلمين كما كان السلف رحمهم الله، عظّموا الحلال والحرام، وخافوا من أكل أموال الناس بالباطل، وقدّموا الآخرة على الدنيا.
وإذا كتب الله لجماعة المسلمين التمكين، فإنها تقيم دين الله وشرعه، وتقضي بحكم الله، أي بالكتاب والسنة، وعلى سبيل السلف الصالح رحمهم الله. وهذا وعد الله، والله سبحانه لا يخلف الميعاد.
الخلاصة:
خلاصة الكلام أن إعطاء الرشوة حرام إذا كان المقصود بها أخذ ما ليس للإنسان، أو ظلم العباد، أو سلب ممتلكاتهم، أو الاعتداء عليهم، أو إبطال حق، أو إحقاق باطل.
أما إذا كان الإنسان مظلوماً، أو معرضاً لظلم عظيم في نفسه أو ماله أو ولده، ولم يجد طريقاً لدفع هذا الظلم إلا بدفع مال، فيجوز له دفع المال لدفع المفسدة الأكبر، بشرط ألا يتجاوز موضع الضرورة، وأن يعلم أن الضرورة تقدر بقدرها.
قال الله تعالى:
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.
هذا، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله الطيبين، ورضي الله عن صحبه أجمعين.





Comments